محمد متولي الشعراوي
2943
تفسير الشعراوى
وكذلك يكون العمل على غير ما شرع اللّه . والحق بدأ قضايا الإيمان في هذه السورة بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ( من الآية 1 سورة المائدة ) فكل عقد إيماني يتعلق بالوحدانية للّه وبالبلاغ عن اللّه ، وكل عقد عقد بين المؤمنين بعضهم بعضا ، وكل عقد عقده الإنسان بينه وبين نفسه ؛ هذه العقود مطلوب الوفاء بها ، ومن يكفر بهذه الأشياء فقد حبط عمله . وحبط العمل يأتي نتيجة أن الإنسان أنهى عمله وختمه بهذا اللون من الكفر وظن أنه عمل عملا صالحا . لكن العمل يحبط تماما كما تذهب البهيمة لترعى شيئا لا يتناسب معها فينتفخ بطنها . فيخيل للرائي أن ذلك شبع وأن ذلك عافية ، ثم لا تلبث أن تنفق وتموت . كذلك عمل الذي يكفر بالإيمان ، يظن أنه عمل شيئا ولكن ذلك الشئ متلف له . والآيات القرآنية تكلمت عن هذا المعنى كثيرا ؛ فالحق يقول عن الكافرين باللّه : أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ( من الآية 39 سورة النور ) ونعلم أن السراب هو شئ من انعكاسات الضوء يخدع الرائي السائر في الصحراء فيظن أنه ماء ، ويسير إليه الإنسان فلا يجده ماء ، هكذا يكون عمل الذي يكفر بآيات اللّه . إنها أعمال تبدو متوهمة النفع . وقول الحق سبحانه : « وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ » أي أن مثل هذا الإنسان يفاجأ بوجود اللّه ، كأن مسألة وجود الإله لم تكن بخياله من قبل ، والإنسان لا يأخذ أجره إلا لمن عمل له . فهل عمل الواحد من هؤلاء للّه حتى يأخذ منه أجرا ؟ . لا . لم يعمل للّه ، ولذلك نجد أن بعض السطحيين في الفهم يقولون : كيف لا يجزى اللّه الجزاء الحسن هؤلاء العلماء الذين اخترعوا العلاجات للأمراض ، والعلماء الذين ابتكروا الأشياء التي تنفع الناس ؟ كيف لا يحسن اللّه جزاءهم في الآخرة ؟ ونقول : لقد فعلوا ذلك ولم يكن اللّه في بالهم ، كان في بالهم الإنسانية ، وقد أعطتهم الخلود في الذكرى وأقامت لهم التماثيل ومنحتهم أوسمة ووضعت فيهم